مع تقدمنا نحو عالم يزداد رقمنةً، تشهد الرعاية الصحية تحولاً جذريًّا. وفي حين تظل البنية التحتية المادية — مثل الطرق والمباني والمستشفيات — ذات أهمية حاسمة، فإن شكلاً جديداً من أشكال البنية التحتية بدأ يحتل مركز الصدارة: البنية التحتية الرقمية. وتقوم هذه الأنظمة بإدارة كميات هائلة من بيانات المرضى، وتسهيل قابلية التشغيل البيني، وتعزيز عملية اتخاذ القرار من خلال الذكاء الاصطناعي (AI) والتعلم الآلي. ويقود هذا العنصر غير المرئي، ولكنه أساسي، مستقبل الرعاية الصحية من خلال تمكين الرؤى المستندة إلى البيانات، وتحسين نتائج علاج المرضى، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص.
وفقًا للدكتور عبد الرحمن الشيخ، مدير قسم صحة السكان في شركة «لين بيزنس سيرفيسيز»، تُعد البنية التحتية الرقمية العمود الفقري للرعاية الصحية الحديثة. وأشار قائلاً: «إنها ليست أمرًا نفكر فيه كثيرًا، لأننا نفترض أنها تعمل ببساطة. لكن الحقيقة هي أنها تتطلب تخطيطًا دقيقًا واستثمارًا وتنفيذًا استراتيجيًا».

بناء البنية التحتية الصحية الرقمية في المملكة العربية السعودية
حققت المملكة العربية السعودية تقدمًا ملحوظًا في مجال رقمنة الرعاية الصحية. وقد لعبت شركة «لين بيزنس سيرفيسز»، التي تأسست عام 2017، دورًا محوريًا في إنشاء سجلات لبيانات الرعاية الصحية، ودمج الأنظمة المنعزلة، وتوحيد الأطر التنظيمية.
كانت إحدى المساهمات الرئيسية لمنصة «لين» خلال جائحة كوفيد-19، حيث ساعدت في توحيد تطبيقات الرعاية الصحية المتباينة في منصة واحدة. وقد أتاح ذلك الوصول السلس إلى السجلات الطبية وبيانات التطعيم وخدمات الرعاية الصحية عن بُعد — مما ساهم في نهاية المطاف في دعم مبادرات الصحة العامة وتحسين إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية في جميع أنحاء المملكة.
أكد الدكتور عبد الرحمن الشيخ على أهمية الاستفادة من البيانات لتحسين نتائج علاج المرضى، قائلاً: «يمكننا الآن مراقبة جودة الرعاية وتقليص التفاوتات بين المناطق المختلفة من خلال وجود بنية تحتية رقمية قوية. وقد ساهمت الجائحة في تسريع عملية مواءمة اللوائح التنظيمية وجعلت الأطراف المعنية تدرك أهمية وجود نظام موحد».
نيوم: ريادة نظام الرعاية الصحية في المستقبل
في حين تعمل المملكة العربية السعودية على دمج الأنظمة الرقمية في إطارها الحالي للرعاية الصحية، توفر «نيوم» — المدينة المستقبلية قيد الإنشاء — فرصة فريدة لتصميم نظام رعاية صحية من الصفر.
وأوضح الدكتور خالد حماوي، المدير التنفيذي للتخطيط وتوفير الخدمات الصحية وتصميم وإدارة النظام الصحي في نيوم، أن نهج المدينة في مجال الرعاية الصحية يختلف اختلافًا جوهريًّا:
- الرعاية الشخصية والوقائية: يولي نموذج الرعاية الصحية في نيوم الأولوية للتدابير الاستباقية والوقائية على حساب الرعاية التقليدية التي تقتصر على الاستجابة للأعراض.
- اتخاذ القرارات استنادًا إلى البيانات: صُمم النظام للاستفادة من كميات هائلة من البيانات الصحية — بما في ذلك العوامل الوراثية والسلوكية والبيئية — لوضع خطط رعاية مخصصة لكل مريض.
- التكامل السلس: ستتيح البنية التحتية الرقمية لـ «نيوم» لمختلف مقدمي خدمات الرعاية الصحية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي والمؤسسات البحثية الاستفادة من قواعد بيانات عالية الدقة، مما يتيح توفير حلول رعاية صحية أكثر ذكاءً وكفاءةً.
وأشار الدكتور خالد حماوي قائلاً: «نحن نبني طرقًا سريعة رقمية — بحيرات البيانات والمنصات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي — والتي لن تقتصر فائدتها على نوم فحسب، بل يمكن تصديرها كنموذج للابتكار في مجال الرعاية الصحية على مستوى العالم».
دروس من المملكة المتحدة: تحقيق التوازن بين الأنظمة القديمة والابتكار
في حين تعمل المملكة العربية السعودية على بناء البنية التحتية الرقمية في ظل قيود أقل ناجمة عن الأنظمة القديمة، فإن المملكة المتحدة تعمل على تحقيق التحول الرقمي في إطار نظام رعاية صحية راسخ ومعقد. وقد سلطت سوزي علي-حسن، مديرة الأعمال الدولية في رابطة صناعات التكنولوجيا الصحية البريطانية (ABHI)، الضوء على النجاحات والتحديات التي ينطوي عليها النهج الذي تتبعه المملكة المتحدة.
يُعد «برنامج الوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية» أحد الإنجازات الرئيسية للمملكة المتحدة، حيث يستفيد من بيانات الرعاية الأولية لتحديد المرضى المعرضين لخطر كبير للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وتحسين علاجهم. وقد أثبتت هذه المبادرة أن الاستخدام الفعال للأدوات الرقمية يمكن أن يقلل بشكل كبير من حالات النوبات القلبية التي يمكن الوقاية منها، مما قد يوفر على «خدمة الصحة الوطنية» (NHS) أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني سنويًّا.
ومع ذلك، تشكل الأنظمة القديمة عقبات كبيرة. وقد استثمرت المملكة المتحدة في برامج تسريع الابتكار لسد الفجوة بين الرعاية الصحية العامة وحلول القطاع الخاص. وشددت سوزي علي حسن على أهمية التعاون قائلةً: «لا يمكن لخدمة الصحة الوطنية (NHS) وحدها أن تقود عملية التحول، ولا يمكن للقطاع الخاص أن ينجح دون مشاركة نظام الرعاية الصحية. ويكمن المفتاح في بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص تركز على القيمة طويلة الأجل بدلاً من المعاملات قصيرة الأجل».
تسهيل دخول الشركات الأجنبية إلى السوق
مع سعي المملكة العربية السعودية إلى ترسيخ مكانتها كمركز للابتكار في مجال الرعاية الصحية، تتزايد رغبة الشركات الأجنبية في دخول هذا السوق. وأوضح طلال بن عبد المحسن الهجيل، رئيس قسم عمليات الاندماج والاستحواذ في الهيئة العامة للمنافسة، أن أي شركة ترغب في تأسيس مشروع مشترك أو الاستحواذ على حصة في قطاع الرعاية الصحية السعودي يجب أن تتقدم أولاً بطلب للحصول على موافقة على التركيز الاقتصادي.
وتضمن هذه العملية بقاء المنافسة عادلة، وألا يؤدي توحيد السوق إلى ارتفاع التكاليف أو انخفاض جودة الرعاية الصحية. وقال السيد طلال الهجيل: «شهدنا زيادة بنسبة 55% في عدد شركات الرعاية الصحية الأجنبية التي دخلت المملكة العربية السعودية بين عامي 2022 و2023، مما يدل على جاذبية المملكة كوجهة استثمارية».
دور الشركات الناشئة في تشكيل المستقبل
بالنسبة للشركات الناشئة التي تسعى إلى المساهمة في النظام البيئي للرعاية الصحية في المملكة العربية السعودية، توفر «نيوم» و«لين بيزنس سيرفيسيز» فرصًا للتعاون. فقد أنشأت «نيوم» صندوقًا استثماريًّا واستوديوهات للمشاريع الناشئة لدعم الابتكارات في مجال الرعاية الصحية في مراحلها الأولى، في حين تمنح «لين» الأولوية للتطوير الداخلي، لكنها تظل منفتحة على إقامة شراكات لتوفير حلول متخصصة.
وأوضح الدكتور عبد الرحمن الشيخ نهج «لين» قائلاً: «نهدف إلى بناء حلول مستدامة ومطورة محليًّا تتوافق مع اللوائح التنظيمية وتكون قابلة للتكيف مع التقنيات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي. وتُتاح للشركات الناشئة التي تتوافق مع هذه الرؤية فرص للتعاون».
مستقبل البنية التحتية للرعاية الصحية الرقمية
مع تحول قطاع الرعاية الصحية نحو نموذج قائم على البيانات، ستشكل البنية التحتية الرقمية الأساس الذي يمكّن من الابتكار ويحسن رعاية المرضى ويضمن الكفاءة. وقد أبرزت حلقة النقاش ثلاث نقاط رئيسية:
- الاستثمار في البنية التحتية الرقمية أمر ضروري: يجب على الدول ومؤسسات الرعاية الصحية إعطاء الأولوية لبناء أنظمة رقمية قوية لدعم الاحتياجات المستقبلية.
- الشراكات بين القطاعين العام والخاص محرك للتقدم: إن التعاون بين الحكومات ومقدمي خدمات الرعاية الصحية والشركات الخاصة يُسرّع وتيرة الابتكار ويضمن التنمية المستدامة.
- يجب أن تتطور حوكمة البيانات واللوائح التنظيمية: مع توسع أنظمة الرعاية الصحية الرقمية، يجب أن تحقق الأطر التنظيمية التوازن بين إمكانية الوصول إلى البيانات من جهة، والخصوصية والأمن من جهة أخرى.
بفضل رؤيتها الطموحة لتحويل قطاع الرعاية الصحية، تستعد المملكة العربية السعودية لتصبح رائدة عالمية في مجال الابتكار الصحي الرقمي. سجل الآن لحضور معرض الصحة العالمي 2025 لتتعرف على الكيفية التي ستحقق بها المملكة العربية السعودية كل ذلك، وما يعنيه ذلك لشركتك ولقطاع الرعاية الصحية العالمي.
خطط لتجربتك في معرض الصحة العالمي























































